قصة عن التفكير الإيجابي

لتفكير الإيجابي

تخرج خالد من كلية الهندسة حديثا و هو يبحث عن عمل منذ يوم تخرجه ليستطيع الاهتمام بمصاريفه و يخفف العبء على والدته ووالده، لقد اهتم والدا خالد كثيرا بدراسته كونه ابنهما الوحيد و كان تلميذا نجيبا، وولدا مدللا عزيزا، واهتمام والديه الكبير جعلاه يتفوق في دراسته و ينجح دائما بالمرتبة الأولى إلى أن جاء اليوم الذي تخرج فيه، و مع خالد شهادة جامعية سامية و بمعدل مميّز ووالداه يحثانه على إيجاد عمل مرموق يليق به و في شركة كبرى .

مرت الأيام و الأشهر و لم يتحصل خالد على قبول في أي شركة من الشركات التي تقدم إليها، حتى و صل إلى شركة حديثة النشأة قبلت به كمهندس رئيسي لمشروعها وكان المشروع ضخما و بناءً حديثا في المدينة، وخالد قبل بهذا العمل رغم الراتب الدنيء الذي سيتقاضاه و ذلك لأنّ هندسة البناء ستكون من تصميمه و هو من سيشرف على كل كبيرة و صغيرة أثناء البناء، لذلك لم يهتم خالد سوى بهذا الموضوع لأنه كان حلمه منذ دخوله كلية الهندسة، حلم التصميم و التخطيط من أول خطوة، ولكنه اضطر لإخفاء الأمر عن والديه و تظاهر أنّه يعمل لذى شركة أخرى حتى لا يحزن أبواه .

والدا خالد علماه أن يكون إيجابيا في كل أمور الحياة، وأن لا يحزن في أي موقف يصادفه، لكنهما الآن كبرا و أصبحت أبسط الأمور تضايقهما، لذلك فضل خالد عدم إخبارهما بمكان عمله، وأن لا يعكر صفوة فرحهما بمكان وظيفته.

استمرّ خالد في الكدّ و الجد و العمل على مشروعه، وكان لا يتأخر أبدا عنه صباحا بل و يكون آخر الخارجين من مقر الشركة مساءً، وقد كان يحرص على كل صغيرة و كبيرة ويتقن كل خطوة من عمله.

أحبّ خالد عمله كثيرا و كان يتعمد الخروج متأخِرًا مساءًا من مكتبه ليس لسبب حبّه للعمل فقط، بل هناك سبب آخر لذلك، وهو أنّ الشركة التي يعمل بها قريبة جدّا من بيته بينما الشركة التي أخبر والداه أنّه يعمل بها بعيدة جدّا، لهذا اعتمد التأخر في مكتبه يركز و يمعّن التدقيق في عمله بدل الخروج للتسكّع في الشوارع وهكذا يعود في وقتٍ لا يتسبب لَه في الكثير من الأسْئِلة مع والديه.

اقترب الموعد النهائي لتسليم المشروع و الاحتفال بالإنجاز العظيم، و التحضيرات على قدم و ساق، وقرر مدير المشروع القيام بمبادرة لتعريف السكان بمجريات المشروع و أي مستوى وصل إليه الإنجاز، وذلك بتنظيم يوم مفتوح للناس يمكّنهم من الدخول إلى ورشات العمل واكتشاف الأشغال و الأعمال القائمة به.

لقد قام المدير بطباعة إعلانات و توزيعها على كل العمال، من أجل المساعدة في الترويج لهذا اليوم، ولقد ترك خالد الإعلان الخاص به في جيب معطفه متناسيا أمر والديه.

وجاء اليوم الذي اكتُشِفَ فيه أمر خالد، لقد أصبح الموضوع في فوضى كبيرة، لقد وجدت أمه الإعلان وقدمته لوالده، و في ليلة ما قبل الحدث اجتمع الجميع على العشاء، وأخبر والد عادل أنّه ذاهب غدا إلى الورشة ليَحضُر التفاعلات المعلن عنها، وفي هذه اللحظة لم ينطق خالد بحرف واحد و قرر الانسحاب من طاولة العشاء، ولكنه بات يفكر فيما سيقوله غدا لوالده عندما يراه و هو المشرف على كل المشروع كما أنّه لا يستطيع التغيب غدا فالمدير يعتمد عليه في الإجابة عن أسئلة الناس فهو الذي يعلم بكل تفاصيل المشروع  .

وفي الصباح توجه عادل إلى عمله كالمعتاد، و قرر أن يمضي كل شيء كما نظمه هو وزملاؤه، ووصل إلى مكان عمله و بدأ الناس يتوافدون إلى المكان وخالد يترقب مجيء والده حتى رآه من بعيد يدخل مع والدته، وهما يتقدمان خطوة خطوة باتجاهه و هو في حيرة من أمره.

وعندما وصلا ألقيا التحية و قالا له: لم تخبرنا أنّك ستحظر اليوم.

خالد: (متعجبا، ومرتبكا)، نعم ، أنا هنا ل….(وهو  يتمتهم).

الأم: وهي تبتسم، هلا رافقتنا يا خالد

خالد: طبعا، طبعا.

لم يفهم خالد شيئا، هل اكتشف والداه أمره أم لا، وهو يرافقهما في الورشة و ألف سؤال و سؤال يراوده.

اقترب والد خالد من أحد العمال في الورشة وسأله: ماذا تفعل؟ فردّ عليه العامل بطريقة عصبيّة و بلهجة عنيفة، بينما كان خالد يواري وجهه عن العامل حتى لا يفضحه أمام أبيه: ماذا أفعل برأيك، أحمل هذه الأحجار من هذا المكان إلى هناك، هذا عمل صعب وأنا أتصبب عرقا و مهندس المشروع دقيق في كل شيء، فعلي التركيز في أحجام الحجارة و أنواعها و أرتبها قبل نقل كل منها إلى مكانها، هذا و خالد مازال يحاول إخفاء وجهه حتى لا ينتبه إليه العامل، ثم تركه والد خالد ومضى إلى عامل ثاني.

يعتدر خالد من والديه و يتحجج بأنّ عليه الذهاب لأنّه نسي نظارته، فيخرج والده نظارة شمسية و يناوله إياها و يطلب منه مواصلة التجوال معهما، حيث التقوا بعامل آخر ،وقد ارتاحت نفسية خالد بعد أن لبس نظارة والده فهكذا لن يتعرف عليه هذا العامل.

وسأله والد خالد نفس السؤال: ما الذي تعمل، فأجابه العامل: أقوم بتشكيل هذه الحجارة حسب أوامر المهندس المعماري و هذا أمر متعب و ممل أحيانا، ولكنني أكسب منه قوت عيشي (وهو يتأفف)، تركه والد خالد ومضى إلى عامل آخر.

كان العامل الأخير يحمل أوراقا كبيرة في يده تظهر عليها رسومات و مخططات ، فكادت الصدمة تقتل خالد لأنّ هذا العامل هو المهندس الثاني في المشروع وهو نائبه، لقد بات الأمر واضحا سيكتشف أمر خالد، والمصيبة الأكبر أنّه وقبل أن يتحدث إليه أمر خالد أن ينزع نظارته، وقال له: ما الذي تعمل هنا؟ فيجيبه في تدمر و استياء: أهدر وقتي و أتقاضى راتبا زهيدا، ويواصل ماذا تراني فاعلا لقد ضاعت سنوات تعليمي وتعبي هباءً، فيقاطعه والد خالد: هل ترى هذا الشاب الواقف أمامك، إنّه المسؤول عن بناء أكبر ناطحة سحاب في مدينتنا، وتبتسم أم خالد فخرا وتخبره بعلمهما بعمله، ليتنفس خالد الصعداء ، فينظر خالد إلى زميله ويقول: نعم نحن نقوم ببناء أول ناطحة سحاب في منطقتنا، فكن إيجابيا يا صديقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *